أوتشي هاروكو
وفي الخامس من آب/أغسطس، أي في اليوم السابق على إلقاء القنبلةالذريّة، ذهبت إلى محطّة القطار لشراء تذكرة لرحلة العودة إلى
كوبي. غير أنّها لم تتمكّن من الحصول عليها. أمضت يوم السادس من آب/أغسطس في منزل شقيقها. في اليوم السابق انطلق إنذار
الغارات الجويّة. لذلك بقيت في الملجأ المضاد ّ للغارات الجويّة حتّى الصباح. بعد خروج السيّدة أوتشي من الملجأ تناولت طعام الفطور
مع عائلة شقيقها. في أثناء ذلك رأت وميضًا ساطعًا، كما لو أن ّ الشمس قد سقطت من السماء.
لم نكن قد انتهينا بعد من تناول طعام الفطور، عندما سمعنا صوت هدير طائرة. كان مقعدي يطل ّ على الحديقة. وبما أن ّ الوقت كان
صيفًا،بقي باب الشرفة مفتوحًا. وإلى األسفل بقليل من بيت شقيقي كان هناك مدرسة للبنات. وقد امتألت باحة المدرسة بكرة ضخمة
ّ من النار انفجرت بدوي ّ هائل. كان ضوء أبيض يومض حول الكرة كما لو تم ّ إشعال عشرة آالف رصاصة من المغنيزيوم. كانت كرة
ضخمة من النار، لدرجة ظننت أنالشمس قد سقطت من السماء.ّوبينما كنت أحاول استيعاب ما يجري، أردت النهوض، غير أن
النافذة طارت باتجاهي. كان هناك ثالث موجات من الضغط. طار الحطام باتجاهي ودُفنت ُ تحته. عندما استعدت وعيي، توقّفت الرياح،
فقلت لنفسي: يا للحظّ، لقد نجوت.
نهضت من تحت األنقاض وأناأفكّر أنّه يجب علي ّ أن أستمر ّ في الحياة. على مد ّ البصر بدا األمر كما لو أن ّ إعصارًا قد دمّر المنازل،
إذ لم يبق َ شيء قائمًا. كان باإلمكان الرؤية من خالل المنزل المجاور والمنزل مقابله. في وسط سحابة الغبار المتكاثفة تساءلت عن
مصير عائلة شقيقي. وعندما حدّقت مليّا أبصرت شقيقي وزوجته يقفان أمامي مضرّجين بالدماء. سألته: "لماذا لم تنبطح أرضًا؟" فقال:
"نهضت ألتوجّه إلى الحمّام عندما سقطت القنبلة، وبقيت واقفًا ألنّي اعتقدت أن ّ األمر سينتهي بسرعة." أخبرني أخي الحقًا أن ّ الجرح
الذي أصيب به في صدره تمّت خياطته بأربع عشرة غرزة من دون مخدّر. كذلك زوجة أخي أصيبت في رأسها ونزفت بشدّة، ولكنّها
نجت.
غير أن ّ ابن شقيقي الذي كان إلى جانبي اختفى. الحقًا اكتشفت أن ّ موجة الضغط التي انبعثت من مركز االنفجار بلغت سرعتها440
مترًا في الثانية، ولكن على مسافة1,7كلم من مكان تواجدنا بلغتسرعتها72مترًا في الثانية. لقد كان ابن شقيقي البالغ من العمر
أربع سنوات مرميّا على بعد بضعة أمتار على ظهره. وقد بدا بطنه ممزّقًا وقد غطّاه الخشب. اعتقدت أنّني لم أصب بأذى. صرخت:
"احملوا أمتعتكم واهربوا أمامًا." استجابا لكلماتي وهربا إلى الطريق بجانب النهر. بينما كنت أبحث عن أغراضي، اسودّت الدنيا أمام
عينيّ، فقلت في نفسي: "يا للغرابة، حذائي مغطّى بالدماء." اكتشفت جرحًا كبيرًا في باطن الركبة. وظننت أنّي سأموت. انحدرت
حاملة أغراضي إلى باحة المدرسة، غير أنّني انهرت هناك خائرة القوى.
【اإلجالء】
تجمّع الجرحى في باحة المدرسة، كانوا يصرخون: "من فضلكم، نريد الماء!". تساءلت عمّا حدث، وعندما نظرت إلى اليسار رأيت
مجموعة غريبة الشكل تسير في اتجاهي. كانوا عبارة عن مجموعة من عشرات البالغين يتقدّمهم أطفال، غير أنّهم كانوا جميعًا عراة
تمامًا. بعض المواضع في أجسادهم كان مسودا وبعضها اآلخر محمرا. كانت وجوههم دائريّة منتفخة وأعينهم مطبقة، وكانوا يقتربون
وخرق ٌ تتأرجح من أطراف أصابعهم. تساءلت أين في هيروشيما كان يعيش هكذا أشخاص بوجوه متشابهة. أدركت الحقًا أن ّ ما اعتقدته
خِرَقًا كان جلودًا تتدلى من أذرعهم. لعلّهم أشخاص كانوا خارجًا حينما تم ّ إلقاء القنبلة. اليوم أعتقد أنّهم كانوا متوجّهين إلى مستشفى
الصليب األحمر الذي كان يقع بالقرب من منزلنا. تساءلت "لماذا؟" وأنا أنظر إليهم من الخلف من دون أن أفهم شيئًا ممّا يجري.
كان واضحًا بالنسبة إليّ، أنّني إن بقيت هنا فسأنتظر الموت فقط. وقفت ألركض بعيدًا ولو خطوة ً واحدةً، عندها رأيت امرأة شابّة
أمامي تحمل طفلها بين ذراعيها. سألتها: "من أين هربتِ؟"، فأخبرتني أنّه بعد إلقاء القنبلة اندلع حريق على الفور في المطبعة
المجاورة لمنزلها. فهربت حاملة طفلها بين ذراعيها دون أن تأخذ معها أي ّ شيء آخر.
ً أسفت لحالتها، ففتحت الصرّة التي أحضرتها معي وتذكّرت أنّه ال بد ّ أن يوجد فيها بعض المالبس العائدة البنة أخي. أعطيتها سرواال
قصيرًا وقميصًا، قائلة: "هاك ِ مالبس للتبديل من أجل طفلك." فرحت األم ّ فرحًا شديدًا. هنا تخونني ذاكرتي بعض الشيء. على أيّة
حال، نظرت مرّةأخرى ألتفقّد أين أصبت ُ بالجراح. كان اللحم الطري ّ في الجهة الداخليّة لذراعي مصابًا بجروح، إذ إن ّ موجة الضغط
مزّقته ودفعته من الجرح، ما جعله يبدو مثل كرة منتفخة من األرز الدبق [الموتشي]. لم أالحظ ذلك األمر في البداية، غير أنّي عندما
نظرت إليه اعتقدت أنّني لن أتمكّن من النجاة.
كنت أعالج جروحي بأدوات اإلسعافات األوليّة في حقيبة الطوارئ التي حملتها معي عندما اقتربت مني فتاتان وسألتاني: "المعذرة،
إلى أيّة جهة تلوذين بالهروب؟" كانت مالبسهما ممزّقة، تغطّيهما الجروح وترتجفان، ربّما ألنّهما تعرّضتا لإلشعاع النوويّ.عندما
سألتهما: "أين تقيمان؟" أجابتا باكيتين: "لقد جئنا من ياماغوشي كممرضتين مساعدتين. وليس لدينا منزل يمكننا أن نأوي إليه هنا."
أشفقت على الفتاتين شبه العاريتين، من أجل ذلك فتحت الصرّة التي كانت بحوزتي وفيها قطعتان صيفيّتان من الكيمونو [الثياب
التقليديّة اليابانيّة] كانتا لشقيقي. لقد أخذتهما سابقًا ألنّهما ذواتا قيمة كبيرة بالنسبة إليّ، غير أنّي في هذه اللحظة لم أفكّر في هذا األمر.
ّ نهضت وألبست الفتاتين قطعتي الكيمونو الصيفيّتين. وحين وقفت خلف إحداهن ّ رأيت جرحًا في ظهرها بطول عشرين سنتمترًا تقريبًا،
لدرجة أنه كان يمكن رؤية العظام.
سألتاني عن الوجهة التي أهرب إليها، وحين أوضحت لهما أن ّ شقيقي طلب منّي أال أبرح مكاني وأن أنتظر كونه سيرسل لي جنودًا،
توسلّتا لي بأن أصحبهما معي. وعندما أجبتهما: "نعم، تعاال معي!"، جاءت فتاة بالزي ّ المدرسي ّ بوجه متوّرم وعينين صغيرتين
وقالت: "خذنني أيضًا معكنّ!" كانت الفتاة مشغولة للتو ّ بأعمال هدم المباني في حي ّ زابوكا عندما سقطت القنبلة. أجبت: "حسنًا، لنذهب
معًا"، ولكنّني فكّرت في أن ّ الفتاة ستموت. وسط زحام الناس كان هناك جندي ّ يفتّش عنّي وهو يقول: "هل السيّدة أوتشي هنا؟".
أوضحت الوضع وذهبت مع الجندي برفقة الفتيات الثالث إلى وحدة شقيقي البحريّة "أكاتسوكي" في أوجينا.
رأيت الكثير من الناس يعانون إلى أن عبرنا جسر ميوكي. غير أنّني ال أتذكّر ما إذا تمّت العناية بأحد منهم. في طريقنا شربنا الماءمن
صنبور مكسور. مباشرة بعد ذلك تقيّأت الفتياتالثالث. تكرّرت عمليّة التقيّؤ ثالث مرّات متتالية، ولكن في المرّة األخيرة تقيّأن
الحمض المعوي ّ بعد الماء. عندما وصلنا إلى مصلحة االحتكار، قال الجندي: "ال يمكن إنقاذ الفتيات الثالث. يجب علينا أن نتركهن ّ هنا
ونواصل المسير." فكّرت أن ّ ال أحد هنا. لقد اعترتني الشفقة حيال أن أتركهن ّ وراءنا. أردت أن آخذهن ّ معي حتّى ولو أنهّن سيلقين
حتفهنّ. كان هناك ورقة معلّقة على مصلحة االحتكار مكتوب عليها "نقطة إنقاذ."
قلت لهنّ: "يوجد هنا نقطة إنقاذ، إذا انتظرن هنا. بالتأكيد يمكن ألحدهم مساعدتكنّ"، فتوجّهن إلى الداخل وهن ّ يغلقنأفواههن ّ بأيديهنّ.
وألكون صريحة، شعرت أن ّ الفتيات الثالث كن ّ عقبة كبيرة أمامي. فلو لم يكن ّ موجودات، الستطعت أن أطلب من الجندي حملي على
ّ ظهره أو إمساكي من يدي. فكّرت بأمر كم يمكن لإلنسان أن يكون فظيعًا. ألنّني أردت أن أنجو بنفسي تركت ورائي ثالث فتيات
أصغر مني عمرًا. إنّه لجرح ما زلت أحمله في قلبي.
【اللقاءمعشقيقي】
لقد تم ّ استخدام إحدى المدارس كمركز لإلنقاذ. قال لي الجندي: "شقيقك هنا" وتوجّه إلحضاره. حضر شقيقي على عكّازين. وعندما
سألته عن ابنه، مر ّ جنود يحملونه على نقّالة للمصابين، فقال لي شقيقي: "خشيت من أنتخرج أمعاءه من مكانها، ولكن لحسن الحظ ّ لم
يحدث ذلك!" يومها اعتقدت أن ابن شقيقي تلقّى العالج أوال ً ألن ّ والده ضابط في الجيش، على الرغم من أن ّ هناك أشخاصًا لم يكونوا
مصابين، غير أنّهم انهاروا بفعل التعرّض إلى اإلشعاع. تركنا الجنود يمسكون نقّالة ابن شقيقي. لقد بدا كل ّ شيء كذبة، فشعرتبالذنب.
لقد كان مستلقيًا على الرغم من أنّه لم يكن مصابًا بجروح، كما بدا ال مباليًا تمامًا. قلت لنفسي وأنا أمر ّ من جانبه: "أنا جريحة،ومع
ذلك أحاول أن أتمالك نفسي. وهو ال إصابات لديه وال يستطيع الوقوف." لهذا السبب أرى أن البشر قساة فظيعين.
【رسالتيإلىالعالم】
كان جسدي خامال ً وكنت أشعر بألم وضعف شديدين في ذراعي ّ وساقيّ، لدرجة وددت لو أقطعهما بفأس أو شيء من هذا القبيل. كان
هذا "مرض القنبلة الذريّة الزاحف". يومها لم يكن "القانون المقيّد للصحافة" قد فرض بعد. وقد ذكرت الصحف أن ّ ضحاياالقنبلة
الذريّة صرّحوا أن ّ اإلشعاع تسبّب في ظهور كدمات زرقاء اللون وفي تساقط شعر الرأس ونزيف اللثّة، وفي النهاية في الوفاة. وألنّني
بقيت سليمة من كل ّ هذا، اعتقدت بداية أن ّ األمر مجرّد إرهاق وال يتعلّق بالقنبلة الذريّة. غير أنّه بعد فترة وجيزة بدأ التعفّن يظهر في
فمي ولم أعد قادرة على تناول الطعام، لذلك ذهبت إلى المستشفى. انخفض عدد الكريّات البيضاء بشكل حادّ، وكاد طحالي متورّمًا
لدرجة أنّي كنت أشعر به على السطح الخارجي ّ للجسم. قيل لي أنّه ينبغي علي ّ البقاء في المستشفى لتلقّي العالج. اعتقدت أنّني سأشفى
إن بقيت هناك. ولكنّني سمعت أنّه قيل لعائلتي أنّه ليس من الممكن إنقاذ حياتي.
وكوني لم أمت ال بالغارات الجويّة أو بالقنبلة الذريّة أو أمراض اإلشعاع الذريّ، اعتقدت أنّني محظوظة. غير أنّني أعتقد أن ّ نجاتيلم
تكن محض مصادفة، بل مشيئة هللا كي أوجّه االتّهام إلى أولئكالذين جعلوا أنفسهم مذنبين من خالل الحرب والقنبلة الذريّة. لقد وُهبت
الحياة. وأعلن أنّه في حال عدم وقوفنا ضد ّ األسلحة النوويّة، فإن ّ األمر بمثابة إهانة هلل. إذ يبدو أن ّ الجميع يستخفّون باألمر، ولكنّني
أكرّر وأحذّر دومًا: إن قمت بزيادة عدد األسلحة النوويّة من دون أيّة مقاومة، فإن ّ ذلك سيؤدّي إلى معاناة الجميع من اإلشعاع. هناك
حديث عن حرب عادلة، غير أنّها ستورّطنا بالتأكيد في مشاكل ومتاعب. ال توجد حرب عادلة.
ليس هناك من حرب يجب شنّها، وال حرب ينبغي شنّها. أتمنّى أن يستوعب فكرتي أولئك الذين لم يعاصروا الحرب بأنفسهم. فمن كان
ال يرغب في أن يعاني نفسه من الحرب، فال ينبغي عليه أن يخوض حربًا ضد ّ دولة أخرى. أريد أن يعرف الشباب أنّه ال ينبغي عليك
أن تفعل لآلخرين ما ال تريده لنفسك. هناك مشكلة في التنمّر، ولكن إن كنت ال ترغب في أن تتعرّض للتنمّر، ال ينبغي عليك التنمّر
على اآلخرين. إن تمكنّا من اتّباع هذه القواعد البسيطة، فأعتقد أن ّ السالم سيسود في العالم.